الحب بين الأزواج,الحب والكراء,حين ينتصر الحب,قصور من رمال,التسويق اللفظي للحب,حسابات الحب,الاحترام يفضي إلى الحب الحقيقي,,,
"لا أعرف شيئا اسمه الحُب، فأنا مهموم بتوفير "الحَب" لأولادي الخمسة وأمهم" (والحَب ـ بفتح الحاء ـ في الدارجة المغربية تعني النقود والمال).. هكذا أجاب العم أحمد ذو الخمسين عاما وهو يدفع عربة الفواكه التي يبيع فيها الفواكه والخضر في شوارع الرباط بالمغرب. لكن هل نظرة العم أحمد هي السائدة عند الأزواج؟ وهل الحب عند الشباب هو غير مفهوم الحب عند كبار السن؟ ثم هل هذا الزمان الذي نعيشه مازال أصلا صالحا لشيء اسمه الحب؟ لنتابع هذا التحقيق.
الحب والكراء
تعترف خديجة، امرأة متزوجة منذ سنوات كثيرة، بأنها لم تشعر بالحب بمفهومه المعروف حاليا إزاء زوجها، مؤكدة أن "العشرة" أهم وأقوى الروابط الإنسانية بين زوجين، لأنها توطد العلاقة بينهما حين يعيشان الحلو والمر معا، مما يخلق تآلفا روحيا ونفسيا بين الاثنين. وتتحدث خديجة بكثير من السخرية عن "حب" هذا الزمان بالقول: "حب هذه الأيام فما هو بحب، إنما مسخ وانحلال ولعب أطفال، فأبناء هذا الجيل يظنون أن الحب هو رقص وعناق وتنزه ورسائل عبر الهاتف المحمول، واستماع لأغاني الفيديو كليب وأفلام العشق والهيام، وهذا يجعلهم للأسف ينقلبون على أنفسهم بمجرد أن يصطدموا بصخرة الواقع وما يفترضه من معاناة وتضحيات وتجارب حياتية مرة أحيانا".
وفي جواب عن سؤال حول مظاهر وتجليات هذا الحب الحقيقي الذي عاشته هي كامرأة خلال فترة من الزمن السابق، تقول خديجة إنها لا تنسى أبدا كيف كان يعاملها زوجها برفق وطيبوبة وأنها لم تر منه خصاما أو رفع يده عليها يوما حتى لو أخطأت، فكان الحب يترجم ليس من خلال الكلام بل بواسطة الأفعال والتصرفات".
وهو المنحى نفسه تقريبا الذي يتحدث عنه الحاج إبراهيم ذو الستين سنة، متقاعد عن العمل، حيث يتساءل بنبرة مضحكة: "هل الحب في عصرنا هذا يمكن به أن نسد رمق الأطفال والزوجة؟ هل بالحب يدفع الزوج ثمن كراء المنزل الذي سكن فيه وأهله؟ ثم هل بالحب سيملأ القفة ويدخلها على أولاده وهي عامرة بنصف كيلو حب وكيلو مودة واثنين كيلو عشق وأربعة كيلوات من الغرام؟
ويضيف هذا الزوج الستيني أن الحب الحقيقي هو الذي جربه هو كرجل، والحب أيضا في نظره هو أن يكون الرجل "رجلا" بمعنى الكلمة، يلبي طلبات أسرته ويربي أبناءه على الرجولة والشجاعة والمروءة، واحترام الغير، فهذا سيتحول مع الوقت إلى حب متجذر في نفوسهم لا يقوى على مغادرة القلوب، أما حب شبابنا اليوم فهو حب ما إن يدخل الباب الأول في القلب حتى يخرج من الباب الثاني فور ما يطرق باب المنزل صاحب الديون أو مالك البيت..".
حين ينتصر الحب
وتستعيد سمية، زوجة شابة، شريط بداية حياتها الزوجية التي لولا الله ثم الحب الذي جمعها بزوجها لانتهت مسيرتهما الزوجية، مما يدل أن الحب لم يغادر بعض القلوب بعد، وتقول سمية إنها فور زواجها حدث أن ضاقت عليهما سبل العيش، فكانا يتناولان الغذاء بالبطاطس فقط ولا يجدان ما يتعشيان به، بل حدث أن طرد زوجها من عمله، فقست معيشتهما، لكن قلبها إزاء زوجها ظل كما هو: "لم أتغير من ناحيته وحبي له استمر بنفس القوة رغم أن المشاكل المادية تطغى عليه أحيانا، لكن هذا الشعور الجميل صمد وهو الذي جعلنا نشد أيدينا في أيدي بعضنا لنجتاز الأزمة، وهو ما حدث فعلا، وعادت الأمور الحياتية على سابق عهدها، فانتصر الحب على كل شيء".
قصور من رمال
ويعلق فؤاد بوخريص، شاب متزوج حديثا، على مسألة رضا الزوجة بالعيش في كوخ وأكل الخبز وحده مع كأس شاي فقط، بأنه مجرد كلام محبين يأتي خصوصا من الفتيات الراغبات في الزواج لكي يستدلن على حسن نيتهن وإبراز قدرتهن على التضحية مع الزوج في بداية مشواره الزوجي، ويضيف قائلا: "شخصيا لا أصدق فتاة تقسم بأغلظ الأيمان أنها ستكون نعم الزوجة الصابرة التي ستستعد بالحياة في شظف من العيش وفي كوخ صغير، وأنها لن تتبرم ولن تنفر من ذلك طيلة حياتها مع زوجها الموعود، ووو.. أرى أنه كلام أفلام ومسلسلات عربية ليس إلا، فلا يصح إلا الصحيح قبل كل شيء، وكم من قصص سمعنا فيها هذا الكلام الوردي باسم الحب، لكن ما إن تحدث المشاكل المتراكمة وتسقط على رأس الزوجين حتى تنهدم تلك القصور المبنية من رمال"، ويردف هذا الشاب بالتأكيد على أن الزوج أيضا قبل الزواج تجده يعد فتاته بأنه سيجعلها تعيش في الأحلام وأنها ستكون ملكة في بيتها وكل طلباتها أوامر، وو.. لكن الواقع شيء آخر"، مؤكدا أنه لم يخف على زوجته قبل الزواج بأنه مجرد موظف صغير لا يستطيع بمفرده فتح بيت أسري، وهي كذلك صارحته بأن التعاون بينهما ضروري للحياة في ظروف حياتية متوسطة على الأقل، وهذا هو الحب في رأيه، أن يكون الانسجام بين النظري والممكن وبين الأحلام والواقع".
التسويق اللفظي للحب
وينظر عبدلاوي لخلافة، صحفي متزوج وله طفلان، إلى الموضوع من زاويته الخاصة، حيث يعتبر أن النظرة للحب تختلف ما بين التقدير والعيش في صدق وطمأنينة، فكثيرا من الأزواج ربما يوهم نفسه بحب رومانسي ينبني على أفلام أو مسرحيات أو قصص، ورأيي أن الأمر متعلق بالوفاء والتقدير وجعل الآخر يحس براحة نفسية معك طول الوقت، وليس إظهار مشاعر في لحظات عابرة لا يتبعها سلوك يجعل الزوجين كلا واحدا رغم اختلافاتهما الفكرية والنفسية".
ويضيف "لخلافة" قائلا: "شخصيا، أعيش ألفة فيها محبة وتقدير لزوجتي، مما يجعلني لا أحس بالوحشة النفسية وأعتبر العبارات الجافة من هذه الأصول من قبيل استعارة مشاعر الآخرين وتبيئتها عربيا وإسلاميا، ونحن نجد أن آباءنا كان لهم وَجْد وحب، وإن كان ينقصه التسويق اللفظي وعاشوا حياة رغيدة رغم ذلك، عكسنا نحن الشباب لدينا التسويق اللفظي المبهر للسماع، ولكن لا نعيش حياة سهلة مطمئنة".
الاحترام يفضي إلى الحب الحقيقي
ويؤكد الأخصائي النفسي الدكتور لطفي الحضري في استشارة له أن "كثيرا من الفتيات يتساءلن: هل أتزوج شخصا أحترمه، أم شخصا أحبه؟ وأغلب الأخصائيين يرون أن الأفضل هو اختيار الشخص الذي يحترم الفتاة لأن الاحترام يجعل الشخص لا يتجاوز بعض الخطوط الحمراء أثناء حصول بعض المشاكل، وهذا الاحترام بدوره يساهم في تنمية الحب بين الزوجين. أما إذا تم اختيار الزوج بناء على الحب فقط، فإن هذا الحب قد يكون مبنيا على عدم الاحترام، وقد يصل الأمر بالزوج المحب إلى تجاوز الخطوط الحمراء، وقد يصل الأمر في بعض الأحيان إلى إقدام الزوج على ضرب المرأة انطلاقا من حبه لها". لهذا فالمطلوب هو البحث عن الاحترام أكثر من الحب بين الأزواج، حتى لا يظل الحب في القلوب ولا يغادرها بدون رجعة.